فى منتصف قصر الظلام. نرى ذلك المشهد. إن عليها بعض اثار الصدمة و لازالت
الدموع على عينيها و لكنها الآن تبتسم و هى تنظر لذلك الشئ. مخلوق لم تره من قبل
لكنها سعيدة برؤيته. حالتها قاربت على الهيستيريا. يبدو ان ما حدث لم يكن شيئأ
يسهل فهمه. دعونا لا نهمل تفصيلاً مهماً و هو شعرها ناصع البياض.
هناك رجل ممدد على الارض لا يبدو فيه حياة. ذلك الرجل يرتدى الاسود
بالكامل. شعره شديد السواد تحت ذلك الضوء القمرى الذى يملأ القاعة. يتصاعد من ذلك
الرجل دخان اسود و يقل بإستمرار حتى لا يعود يخرج منه شئ. هناك رسمتان على الارض.
إحداهما تحيط القاعة كلها هى عبارة عن خطوط و نقوش غريبة باللونين الابيض و الاسود
بالتبادل. و هناك تلك الدائرة الحمراء تحيط بالمخلوق فقط.
يبدو المشهد فى حالة من التوقف مع الزمن لاشئ يتغير. وميض الدائرتين، ضوء
القمر، الفتاة التى تفقد عقلها، المخلوق، هؤلاء هم ابطال الفصل الاخير.
لنعد بضع ساعات للوراء؛ حيث القصر فارغ لا يوجد احد بداخله. القاعة طبيعية
لا نقوش بها و لا اضواء. لقد ذهب امير الظلام فى وقت الغروب على عربته ليقلها
للإحتفال بتلك الليلة معاً. يتسلل ذلك الشخص إلى القصر ليذهب للبهو الرئيسى. يتوقف
فى مكان معين و يبدأ بالتمتمة بلغة غريبة، يخرج خنجره و يقوم بجرح يده اليمنى و
اليسرى بنفس الشكل. يبدأ فى رسم دائرة على الارض بالدماء ثم يكمل ملئها بنقوش و
اشكال غريبة و ما ان يصل للمنتصف حتى تبدأ الدائرة بالتوهج بلون احمر. يتمتم ببعض
كلمات اخرى ثم يخرج قنينة صغيرة من جيبه و يسكب السائل الموجود فيها فى مركز
الدائرة. و ببساطة تختفى الدائرة و كأنه لم يرسمها. يبتسم إبتسامة من ضمن إنتصاره
و يخرج مسرعاً.
فى نفس الوقت كان اميرنا ينتظرها امام المنزل و ما ان خرجت حتى إنحنى ليقبل
يدها فى رقة. إصطحبها إلى العربة و إنطلقا إلى القصر ليصلا بعد حلول الظلام.
كان المكان مظلماً تماماً. ذلك القصر يخلق اثراً غريباً فى النفس فى مثل
تلك الليالى. حيث لا يتخلل ضوء القمر المكان. إقتربا من المدخل الرئيسى للقصر و
الذى انفتح وحده. سرعان ما اشتعلت الشموع و المشاعل فى القصر. لتضع ذلك التأثير
الفنى على لوحات القصر و تحفه.
- ايمكن ان يكون هذا ما عنيته؟
- لا .. سيتضح كل شئ بعد قليل. لنأكل اولاً. ثم لنذهب إلى البهو الرئيسى.
- لا اريد. اريد ان اعرف.
- امراء الظلام يصبحون فى غاية القوة فى الليالى التى يختفى فيها القمر.
الآن يممكننى ان اريك شئ ما لم يره اى شخص فى العالم غيرك. إنه عرضى الخاص.
قالها و ارتفع عن الارض .. إنطفأت جميع الاضواء. و بدأت تظهر نقاط مضئية
معلقة فى الهواء. و بدأ يخرج من الكثير من الدخان الاسود. و ينتشر فى جميع انحاء
القاعة .. يتجمع سوياً ليكون نقاط مضيئة. نجوم صغيرة و نجوم كبيرة. سحب من الضوء و
الظلام. إن المشهد رائع.
- اتدرين ما هذا؟
- لا (قالتها و هى لم تعد تراه .. فقط محدقة فى تلك التحفة المضيئة حولها)
- إنه الفضاء .. ذلك الذى يحيط بالارض. هناك الكثير من النجوم و الشموس.
كالقرص الذى يظهر فى سمائنا. لم يكن احدهم ليتخيل ان يكون بهذه الروعة. (قالها و بكلماته
بعض الإرهاق)
- هل القيام بذلك يستهلك الكثير من طاقتك؟
- بالتأكيد .. لكنه يستحق ذلك فى كل مرة.
صوت تصفيق بطئ و رجل يرتدى الاسود يدخل المكان.
الرجل: يا له من مشهد .. لم اكن اعرف انه يمكن إستخدام قوى الظلام لفعل مثل
هذه الاشياء. حقاً إنه شئ رائع
الامير: من انت؟
الرجل: انت لا تعرفنى .. لنقل اننى امير الظلام.
الامير: كيف تعرف عن هذا؟ و كيف تكون امير الظلام.
الرجل: لنهمل تلك التفاصيل .. و نقتل تلك الفتاة هناك التى تنظر إلى
بإستغراب شديد. إن هذا يزعجبنى.
تحرك الرجل نحوها بسرعة كبيرة .. لكن الامير كان قد تحرك قبله بالفعل ليصبح
بينهما ثم يتجه نحوه ... و فجأة توقف كمن إصطدم بحاجز زجاجى خفى. و ظهرت تلك
الدائرة الحمراء حوله. و بدأت بالتوهج. حاول الحركة فى اى اتجاه لكنه لم يقدر.
بدأت نجومه فى التحول لدخان اسود و السقوط بهدوء على الارض.
لقد شحب وجهها .. هى بالتأكيد لا تفهم اياً مما يحدث.
هى: ما الذى تفعله.
الرجل: لا تقلقى .. فأنا لن اؤذيكى، فبعد كل شئ انتِ ملك لى.
هى: ما الذى تقوله؟ من انت؟
الرجل: لنترك التفاصيل.. انا لست محباً لسرد الاحداث. لنقل فقط اننى بمجرد
انتهائى فلن يصبح هناك اى شئ بينى و بينك.
ضم يديه معاً امام صدره و بدأ بالتمتمة بكلمات غير مفهومة؛ لتتوهج الدائرة
اكثر و يخرج من الارض خيوط حمراء تحيط بيدى و قدمى الامير بقسوة و تجعله ينحنى على
الارض. ثم يخرج ذلك الخنجر من معطفه و لفيفة الشروط.
الرجل: لقد حان الوقت. لا تحاول
الحركة. انت لن تقدر على كسر تلك الدائرة. فهذا النوع منها لا تعرفه انت. إنه فى
اعماق جحيم عالم الظلام حيث لم تذهب ابداً. (يتحرك نحو الامير شاهراً الخنجر)
الامير: (ينظر إليها فى هدوء) لا تقلقى .. لن يحدث شئ لى. انا خالد و لا
يمكنه قتلى. فقط لا تتحركى من موضعك.
ما ان اصبح الخنجر فى قلب الامير حتى بدأ الرجل فى القراءة من اللفيفة و
الخنجر يتوهج مع كلماته. و يبدو على وجه الامير علامات الالم الشديد. عليها أن
تنقذه و ما ان حاولت الحركة حتى وجدت تلك الذرات الصغيرة من الدخان الاسود حولها
ترسم دائرة خفيفة تكاد تكون غير مرئية. و انها لا تستطيع الخروج من تلك الدائرة.
تنظر إليه فينظر إليها و يبتسم. ثم يتوقف الخنجر عن التوهج و يسقط تاركاً فتحة فى
صدر الامير. الذى لم يعد يتحرك. و بدأت تلك الطاقة السوداء تخرج من جسده سريعاً
لتتجه لذلك الرجل. و وسط ضحكات ذلك الرجل. تنظر للأمير مجدداً. لا يوجد ما يدل على
الحياة. لكنه قال إنه لن يموت، إنه خالد. سيقوم مجدداً الآن. توقف الرجل عن الضحك.
و نظر إليها.
الرجل: يبدو انك تنكرين الامر. لقد إنتقلت قوله كلها لى. لن احتاج حتى
لإكمال باقى الشروط. الان انت لى و لن يعترض طريقى احد. لقد مات الامير.
ما ان صرح بالكلمة حتى دوت فى رأسها بشدة. لقد مات بالفعل. و هنا بدأت كل مشاعرها
فى الإتجاه فقط نحو الغضب. و بدأ المكان بالإهتزاز بشدة. لتخرج منها تلك الطاقة
البيضاء و تتجه نحو الرجل لتقم بقتله فى لحظات. يتحول شعرها للأبيض. و تسقط على
الارض .. لم تعد بحالة طبيعية. لقد مات امير الظلام و قد قتلت الرجل الذى قتله
بطريقة لم تعرفها. بدأت بالبكاء العنيف و الصراخ.
من حولها و فى القاعة كلها ظهرت دائرة تتوهج باللونين الابيض و الاسود. و
بدأ دخان اسود يخرج من الرجل الميت على الارض و يتجه للأمير. و بدأ ضوء ابيض يخرج
منها و يتجه للأمير. و بدأ الضوء و الدخان يمتزجان معاً عند الامير. لم تعد ترى ما
يحدث و قد توقفت دموعها عن الإنهمار للحظات ريثما تحاول إستيعاب ما يحدث. لكن
الكثير من بقايا الدموع كانت لا تزال على وجهها. هى تراقب المشهد فى ترقب و على
وجهها تعبيرات تثير الشفقة. ذلك الرجل لازال يتصاعد منه بعض الدخان.
ما ان بدأ الدخان يخفت عن الامير. حتى بدأت تراه قليلاً. لم يعد هناك تلك
الفتحة فى قلبه. ثم تحرك. حرك رقبته بهدوء كمن إستيقظ من النوم. نظر لتلك الخيوط
الحمراء التى تكبله فإختفت فى لحظات. ثم وقف على قدميه. و نظر لسقف البهو. فبدأ كل
الدخان الاسود المترسب فى ارض القاعة بالصعود للسقف و التجمع سوياً. ليتكون قمر
صغير يضئ القاعة بأكملها. و ما ان سقطت اشعة القمر عليه حتى بدأ شعره يصبح اكثر
طولاً. و يتغير لونه ليصبح بعض الشعر ابيض و الاخر اسود. تغير لون عينه اليسرى ليصبح
ابيض و ظلت اليمنى كما هى سوداء. ثم بدأت حركات عنيفة بجسمه و صوت طقيقة عظام. و
خرج جناحان من ظهره. احدهما ابيض اللون و الاخر اسود. و سرعان ما هدأت تلك
التحولات و إنتهت بإحتراق معظفه و جميع ما يغطى الجزء العلوى من جسده. و بدأت نقوش
غريبة تظهر على جسده. نقوش بيضاء بدئاً من يده اليسرى و سوداء بدئاً من اليمنى.
ليتلاقيان عند قلبه. و يتداخلان سوياً. النقوش البيضاء هى تعبير عن قوى النور و
النقوش السوداء تعبير عن قوى الظلام.
فى منتصف قصر الظلام. نرى ذلك المشهد. إن عليها بعض اثار الصدمة و لازالت
الدموع على عينيها و لكنها الآن تبتسم و هى تنظر لذلك الشئ. مخلوق لم تره من قبل
لكنها سعيدة برؤيته. حالتها قاربت على الهيستيريا. يبدو ان ما حدث لم يكن شيئأ
يسهل فهمه. هى لا تدرى حتى لما هى سعيدة برؤيته.
- اخيراً إنتهيت. (ينظر إليها) .. على ان اشكرك. لولاكى لما اصبح ذلك
ممكنناً.
- ..........
- ارى انه لم يعد لديك اى قدرة على التعبير. إننى اعتذر بشدة على إقحامى
لكى فى هذا الامر. لكنه لم يكن ليتم دونكى.
- ع .. عماذا ت .. تحدث.
- بالتأكيد ادين لكى بتفسير. إن كل ما حدث الليلة هو من تخطيطى. فقط لأصبح
بالشكل الذى تريننى عليه الآن. إننى الان امير الظلام و النور معاً. مخلوق يتخطى
القوتان سوياً. لم يعد ينطبق على شروط اى منهما. اننى اتحكم بهما بالكامل.
- من تخطيطك؟
- لقد كانت الطريقة الوحيدة لأصل لهذا الشكل. يجب ان تتم هكذا. إننى ابحث
عن امراء النور منذ وجدت تلك الفكرة. لم يكن احدهم مناسباً بقدرك. لقد كنتى اميرة
نور. لكن هناك حادثاً معيناً جعلكى حالة خاصة للغاية. عندما كنتى صغيرة هاجم احدهم
والدتك امامك. حينها استيقظت قواك و عرفتى الفصة و الشروط. لكنكى كنتى اصغر من
إدراك اى من هذا فقتلتى ذلك الرجل. لكنها لم تعتبر مخالفة للقاعدة لذلك بقيتى على
قيد الحياة. انا اخفيت الامر عن الجميع. و ساعدتكى فى نسيان كل شئ و اعدت شعرك
للون الاسود. لأنتظرك عندما تصبحين اكبر. فإذا تكرر الموقف لن تعرض عليكى الشروط
مجدداً و بما إنكى لا تعرفيها فسيكون بإمكانك القتل. و ستكون الفرصة مناسبة لأمتص
قوى النور منك.
- هل لهاذا السبب نحن سوياً؟
- نعم، انتى فتاة مميزة للغاية. لربما إذا قابلتك منذ الاف السنين لكنت
قضيت باقى حياتى معكِ. لكننى لم اعد مهتماً بتلك العلاقات البشرية بعد الآن.
- (اجهشت بالبكاء مجدداً) لماذا تفعل كل هذا؟
- من اجل الحرية .. لقد كنت خاضعاً لقوى الظلام طوال هذا الوقت. الآن اصبحت
قوى الظلام و قوى النور خاضعين لى. لقد اصبحت حاكم هذا العالم. يمكننى الآن التحكم
فى كل شئ.
- أمن اجل هذا خدعتنى؟ و جعلتنى اقع فى حبك؟ و جعلتنى اقم بقتله؟ ... (تنظر
ليديها فى ذهول و الدموع تنهمر من عينيها).
- لن تتفهمى الامر. انتى لازلتى صغيرة للغاية. لا تقلقى لم يتغير فى حياتك
غير شئ واحد فقط. سأقوم بإصلاح كل هذا. ستنسين ان اياً من هذا قد حدث. انكى قد
قابلتينى .. انكى قد احببتينى و الوقت الذى امضيناه سوياً. ستنسين هذه الليلة و كل
الليالى الاخرى. ستعودين لحياتك كما كانت. شئ واحد فقط لن يمكننى إصلاحه. لن يوجد
رجل اخر يمكنه إيصالك لنفس الشعور الذى احسستيه معى. (بدء فى الحركة نحوها و مد
يده).
- توقف .. ارجوك، لا اريد ان انسى. سأفعل اى شئ.
إن القمر جميل فى تلك الليلة. تجلس فى شرفها. فقد قررت ان لا تذهب لحفل
اليوم. لكن ملت من تلك الحفلات. "يجب ان ابحث عن شئ يثير الاهتمام فى تلك
الحياة المملة".
لقد مضى نصف شهر قمرى منذ تلك الليلة. كان يراقب ماذا تفعل كل فترة من
الوقت. هذه المرة ينظر إليها " إلى اللقاء فتاتى الصغيرة، لربما فى ظروف
مختلفة لأصبحت النهاية مختلفة".
بقلم: احمد طارق
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق