السبت، 19 أكتوبر 2013

امير الظلام: الفصل الثامن

الفصل الثامن
يمر بعض الوقت بعد الاحداث الاخيرة، لقد كانت الاوضاع هادئة مؤخراً، يشعر ببعض الملل، هذا الشعور يعنى انه قد حان الوقت لخروجه من قصره ليندمج فى بعض أنشطة البشر، هناك ذلك الاحتفال بالمدينة و الذى دُعى إليه جميع النبلاء، لربما يقتل بعض الملل بالذهاب إلى هناك، اعد زياً فخماً أسود اللون بالكامل تزينه بعض الجواهر السوداء، جياد سوداء تقود عربته السوداء، لا يجب ان يبدو كمن ظهر من العدم فى ساحة القصر، لكن بالتأكيد سيلفت ذلك اللون الاسود الإنتباه، ينطلق للحفل متأنقاً
"لماذا لا ننظر من عيون اخرى"
يمر بعض الوقت او كثير من الوقت، لا يشكل ذلك فارقاً بالنسبة لها، لقد إعتادت الملل، ما بين دروس الموسيقى

و الرسم إلى دروس المشى و اللباقة إلى تصاميم الازياء و الفساتين، إلى تلك النزه المعتادة فى الحدائق و حضور تلك الحفلات الكثيرة.
إن هذا كله جزء من "جذب احد النبلاء لخطبتها"، بالرغم من أنها لا توافق ذلك إلا انها فقط تسرى مع التيار و لا تحب إفتعال المشاكل او النقاشات، كم تريد بعضاً من الإثارة فى حياتها، شيئاً ليشعرها بالحياة، تأخذها مخيلتها دوماً إلى أن اميراً اسطورياً سيقوم بإنقاذها من عالمها هذا، سيشعرها بالحياة، إنها كمن عاش لألف عام، تلك الاعوام التى اضافتها لها قرائتها و تفكيرها الفلسفى و مع ذلك فهى لا تشارك شيئاً من عقلها مع اياً كان.
هناك تلك الحفلة التى دُعى إليها جميع النبلاء بما فى ذلك عائلتها، إن الحضور إجبارى بلا نقاش، يا لهذا الملل، لربما سترتدى فستاناً ازرق اللون اليوم، فقط تذهب للحفل مع عائلتها، تتوقف عربتهم امام ذلك القصرو يدخلون لبهوه الرئيسى، يفترقون بعدها، كالعادة... يقف اباها مع هؤلاء من هم فى مثل مركزه وسط قهقهات مرتفعة من حين لأخر يصاحبها إنحائات مستمرة، إنك عندما تنظر إليهم لفترة تجدهم و كأنهم اليين يكررون نفس الحركات، تذهب امها لتقف مع الامهات الاخريات ليتكلمن عن متاعب الحياة و تزويج البنات و يتناقلون بعض الشائعات، إنها لا تتصور أن يكون هذا هو كل ما سيشغل بالها مستقبلاً، تقف هى بجانب اختها الصغيرة فى هدوء، كلتاهما متأنقتان كالعادة، تراقب ملامح الحضور سريعاً لترى إن كان هناك من هو مثير للإهتمام او وجه جديد فى تلك الحفلات المملة، كثيراً ما يدخل بعض الاشخاص الجدد ذلك المجتمع.
تقع عيناها على شخص ما، يرتدى زياً فخماً أسود اللون بالكامل تزينه بعض الجواهر السوداء، شعره اسود لامع، وجه يوحى بالهيبة، إنه بمجرد دخوله القاعة جذب إنتباها و إنتباه جميع من هم فى القاعة ايضاً، و لحظة من الصمت.
- ارى أن دخولى ترك أثراً لم اتعمده ...... إستمتعوا بالحفل.
قالها ملوحاً بيده و مبتسماً ليعود الجميع لما كان يفعله، و تعود الهمهمه و الضحكات إلى البهو مجدداً، "يا له من رجل غريب ليجذب إنتباه الجميع هكذا" هكذا فكرت... "لربما هو ذلك اللون الاسود؟ ام تلك الهالة المهيبة التى تحيط به لتجعل صمتك هو رد فعلك الوحيد" ، "لربما هذا الحفل ليس سيئاً لتلك الدرجة" و تخرج تلك الإبتسامة التى بائت محاولاتها فى كتمها بالفشل. و ينظر إليها و يرى الإبتسامة و لكن تعبيراً على وجهه لا يتحرك. إنه قد اخذ ركناً وحيداً و بدأ فى النظر لجميع المدعوين فى الحفل بينما كانت مستغرقة فى تفكيرها، حتى وصل إليها فى ذلك التوقيت الذى ظهرت فيه الإبتسامة، "يا للحظ" هكذا فكرت و هى تراقبه و تراقب نظرته الجامدة لها فى هدوء، يبدو كطفل صغير لها، و مع تلك الفكرة لم تقاوم تلك الضحكة التى افلتت من فمها، و إستدارت بسرعة لتخفيها او لنقل لتخرجها دون ان يراها، لكنه بالتأكيد قد لاحظ ذلك. ثم تعود لوضعها السابق مجدداً، و قد إختفى من مكانه، تبحث فى ارجاء الحفل بعينيها فلا تجده، "يا لى من غبية، لابد انه إنزعج و ظن انى اسخر منه، و من قد لا يظن ذلك...و ها قد ضاعت فرصة لبعض الإثارة و كسر الملل".
و طبقة الموسيقى التى صاحبت الحفل فى هدوء حتى الان كخلفية لصورة، تبدأ فى التغير لتصبح الحدث الاساسى، إنه موعد الرقص، و يفسح الجميع المنتصف و يتقدم الشباب و الفتيات المتحمسون فى البداية للبدء برقصة الفالس الهادئة، بالنسبة لها إن تلك الرقصات لربما تكون الحسنة الوحيدة فى تلك الحفلات، لكم تعشق الرقص، فى الاغلب هى تشاهد فقط، لكن احياناً يطلب منها احدهم الرقص و توافق، و تنتهى الرقصة، لتليها رقصة اخرى و قد بدأ الفتيان فى دعوة الفتيات للرقص فيزيد إنشغال ساحة الرقص، يا له من منظر مهيب، يتحرك الجميع فى تناغم مع الموسيقى و كأنهم تمرنوا من قبل فإن رقصهم سوياً يجعلك تشعر بالسحر، و تنتهى الرقصة و رقصة اخرى، إن الوقت بالنسبة لها متوقف فى حياتها لكن فى تلك اللحظات التى تشعر فيها بالسحر فإن الوقت يتدفق بسرعة كبيرة، و تنتهى رقصة اخرى و يبدأ بعضهم بالإنسحاب لشعوره بالإرهاق و قبل ان يتقدم اخرون تبدأ موسيقى فى اللعب، اهى رقصة جديدة؟ لم تسمع عنها من قبل، لا يهم سيبدأون فى الرقص بعد قليل و ستراقبهم لتتعلمها، لكن لا يتحرك احدهم، يبدو انه لا يوجد من يعرفها، يبدو عليهم الحيرة و القلق، الغريب إن هذا لا يهم فالكل مسحور مع تلك الموسيقى.
- هل تسمحين لى؟
فوجئت بالجملة و بالرجل المنحنى امامها ماداً يده، إنه هو بزيه و بهالته المهيبة، ترى اين كان. امام تلك الإنحنائة لا يمكن ان ترفض اى فتاة.
- لكنى لا اعرف تلك الرقصة
- و هل يهم هذا؟
ما هذا التأثير، إنها لا تعرف الرقصة و لكن تشعر بالثقة و تمد يدها إليه فى هدوء و تنطق بصوت باهت "لا".
يبدأ الجميع فى إفساح ساحة الرقص ليروا ماذا سيفعل ذلك الغريب بتلك الموسيقى. يتحرك هو بهدوء و كأنما يلامس الارض مع انغام الموسيقى مقترباً من ساحة الرقص و ممسكاً يدها فى رقة، و فور ان اصبحا فى منتصفها شعرت برهبة مراقبة الجميع لها، و قبل ان تسرى الرهبة فى جسدها إلتف ليقف من جانبها إلى امامها واضعاً يده على خصرها فى رقة و ضاماً لها فى رقة، إختفت الرهبة و ما كان منها إلا ان وضعت يدها على كتفه فى هدوء، و الغريب ان الموسيقى بدأت فى الهدوء ايضاً، ثم فجأة بدأت الموسيقى تلعو مجدداً و بدأ هو فى الحركة معها و هى تتحرك معه، إنهما يتحركان برقة شديدة و إنسياب مع انغام الموسيقى، بالكاد يلامسان الارض و كأنما تحولت لبحيرة صغيرة يقفزان عليها فى رقة كفراشتين، إنها لم ترقص بذلك الشكل من قبل، إنها حتى لا تعرف الخطوات، فقط تنساب و يا لروعة إحساسها.
- هل انت من طلب تلك الموسيقى؟
يقابلها بصمت
- لكنى لا اعرفها، إنها رائعة، ما اسم الرقصة؟
يقابلها بصمت لكنها لاحظت شيئاً ما، إنه ينظر فى عينيها منذ بدء الرقصة و دون تغيير ذلك التعبير على وجهه، يدوران سوياً و يتحركان و هو فقط ينظر لعينيها، تنظر لعينيه ايضاً، تلك العينان السوداوان، الغريب انها لا ترى او تشعر بشئ داخلهما، لا تستطيع سبر اغواره، إنهما عينان عميقتان حقاً.
- من انت؟ هل ستقول انى مجنونة إذا قلت لك انى اعتقد انك فعلت كل هذا لنرقص وحدنا؟
يتركها فى هدوء لتلاحظ إنتهاء الموسيقى و الرقصة و تصفيق الحضور. يقف بجانبها و هو لازال ممسكاً بيدها التى كان ممسكاً بها منذ البداية، ينحنى فى هدوء و تحذو هى حذوه، يتحركان فى هدوء خارج ساحة الرقص، و تبدأ رقصة اخرى معروفة فى البدء، لكن لا احد يتحرك لفترة، يبدو ان الموسيقى و الرقصة اخذوهم لعالم اخر، قبل ان يعودون للرقص مجدداً.
بينما هما واقفان بجانب ساحة الرقص، و هما لازال ممسكاً بيدها.
- كنت اود ان لا اتركها ابداً سيدتى ، لكن الآن على الذهاب. اشكرك بشدة على تلك الرقصة. و تأكدى اننا سنلتقى مجدداً.
ينحنى ليقبل يدها فى رقة ثم يترك يدها مديراً ظهره لها مستعداً للرحيل. تفوق هى من ذهولها.
- من انت؟
يلتفت لها مجدداً "كم هو جميل ذلك الفستان الابيض الذى ترتدين، تظهرين ببريق ملاك، سنلتقى مجدداً بالتأكيد"
يتحرك نحو المدخل. ثم يختفى. تسرع نحو المدخل و كل ما تراه هو تلك العربة السوداء مبتعده.
- هل حقاً سنلتقى مجدداً؟ (تسأل نفسها)
تمضى باقى الحفل شاردة و بداخلها إحساس غريب. و هناك ذلك الذى يراقبها من طرف الحفل دون ان تشعر. يراقبها من الظلام فى هدوء و على وجهه الكثير من الغضب.

                                                                                          .........يتبع

تأليف: احمد طارق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

test